حسن الأمين

27

مستدركات أعيان الشيعة

الذي حكم مصر ، فقد جاءت بعد ذلك ( شجرة الدر ) المملوكة الأرمنية الأصل فحكمت مصر . كان أبو النجم بدر الجمالي مملوكا لجمال الدولة بن عمار فلذلك عرف بالجمالي . ويقول عنه المقريزي في خططه ( 1 ) : ما زال يأخذ بالجد في زمن سبيه فيما يباشره ، ويوطن نفسه على قوة العزم وينتقل في الخدم حتى ولي امارة دمشق من قبل المستنصر ثم سار منها كالهارب ، ثم وليها ثانية فبلغه قتل ولده شعبان بعسقلان فثار العسكر وأخربوا قصره ، وتقلد نيابة عكا ، فلما كانت الشدة بمصر من شدة الغلاء وكثرة الفتن والأحوال بالحضرة قد فسدت والأمور قد تغيرت وطوائف العسكر قد شغبت والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنهي ، والرخاء قد أيس منه ، والصلاح لا مطمع فيه . ولواته قد ملكت الريف . والصعيد بأيدي العبيد . والطرقات انقطعت برا وبحرا الا بالخفارة الثقيلة فلما قتل بلدكوش ناصر الدولة حسين بن حمدان كتب المستنصر اليه يستدعيه ليكون المتولي لتدبير دولته ( انتهى ) . المستنصر وقبل الدخول في تفاصيل تولى بدر الجمالي شؤون مصر ، لا بد من شيء من التعريف بالخليفة الفاطمي المستنصر الذي بدأت الخلافة في القسم الأخير من عهده تضعف وتنتقص من أطرافها ثم انتهى أمرها باستيلاء بدر الجمالي عليها . طالت خلافة المستنصر ستين سنة وأربعة أشهر تحقق له في القسم الأول منها ما لم يتحقق لأحد من اسلافه إذ خطب باسمه في بغداد والبصرة وواسط وأعمالها أربعون خطبة ، بعد ان طرد منها الخليفة العباسي ( القائم ) واستمر ذلك سنة وتم ذلك بدون معرفة المستنصر في حديث طويل ليس هنا مكانه ، ثم عادت الأمور إلى مجاريها وعاد الخليفة ( [ القائمم ] القائم ) إلى بغداد . وفي القسم الثاني من عهده بدأ التضعضع انتهاء بسيطرة بدر الجمالي ، أو بما يمكن ان نسميه انتهاء العهد الفاطمي وحلول العهد الجمالي محله حكما وسيطرة . فقد قامت فعلا الدولة ( الجمالية ) بكل ما للدول في تلك العصور من واقعية الحكم ومظاهرة . وصار الخليفة سجين قصره محجورا عليه بما نستطيع ان نطلق عليه بلغة العصر الحاضر اسم ( الإقامة الجبرية ) . ولم يكن في مصلحة الدولة الجديدة قتله أو طرده ، بل كان من مصلحتها الاحتفاظ به أسيرا في يديها لاستغلال اسمه بما يمكن ان يستغل به . ( 2 )

--> ( 1 ) الجزء الأول ص 381 نفس الطبعة . ( 2 ) لا يمكن ونحن نمر بذكر المستنصر ان نتجاوز حادثا حدث عندما كان لا يزال في قوته مسيطرا على الحكم ، قبل ان ينحيه عنه بدر الجمالي ، حادثا على ما كان يتمتع به هذا الخليفة الفاطمي من حمية اسلامية وإخلاص لقومه ووطنه . وإذا أخذنا باصطلاحنا في هذا العصر قلنا : حادثة تدل على وطنية المستنصر ، وطنية شماء لا حدود لها ، وطنية ترفعه إلى أعلى مقام في الملوك الوطنيين المخلصين . ذلك - كما يروي المقريزي في خططه ج 1 ص 335 - قائلا : « ان السعر ارتفع بمصر في سنة ست وأربعين وأربعمائة وتبع الغلاء وباء فبعث الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لاعزاز دين الله أبي الحسن علي إلى متملك الروم بقسطنطينية ان يحمل الغلال إلى مصر فأطلق أربعمائة ألف اردب وعزم على حملها إلى مصر ، فأدركه اجله ومات قبل ذلك . فقام بالملك بعده امرأة وكتبت إلى المستنصر تسأله ان يكون عونا لها ويمدها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد فأبى ان يسعفها في طلبها فحددت لذلك وعاقت الغلال عن المسير إلى مصر فحنق المستنصر وجهز العساكر وعليها مكين الدولة الحسن بن ملهم ، وسارت إلى اللاذقية فحاربتها بسبب نقض الهدنة وإمساك الغلال عن الوصول إلى مصر وأمدها بالعساكر الكثيرة ونودي في بلاد الشام بالغزو فنزل ابن ملهم قريبا من فامية وضايق أهلها وجال في اعمال أنطاكية فسبى ونهب فأخرج صاحب أنطاكية ثمانين قطعة في البحر فحاربها ابن ملهم عدة مرار وكانت عليه ، وأسر هو وجماعة كثيرة في شهر ربيع الأول [ ] 446 منها فبعث المستنصر في سنة سبع وأربعين [ ] 447 أبا عبد الله القضاعي برسالة إلى القسطنطينية ، فوافى إليها رسول طغرل بك السلجوقي من العراق بكتابه يأمر متملك الروم بان يمكن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية فاذن له في ذلك فدخل اليه وصلى فيه صلاة الجمعة وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي . فبعث القاضي القضاعي إلى المستنصر يخبره بذلك . إلى آخر ما جرى . وتلخص الواقعة بالآتي : ان أزمة غذائية حدثت في مصر واشتد الغلاء ، فاضطر المستنصر لطلب استيراد القمح من القسطنطينية ، فوافق ملك القسطنطينية على ذلك دون شروط ، ولكنه توفي قبل تحقيق ذلك ، فتولت الحكم بعده ملكة اشترطت لانقاذ صفة القمح ان يحالفها المستنصر عسكريا وان يمدها بالمقاتلين . ولما كان الصراع المفترض ان يقوم هو بين السلاجقة المسلمين وبين البزنطيين ، كان معنى امداد المستنصر لملكة القسطنطينية بالمقاتلين هو ان يحالفها على السلاجقة . ومع أن السلاجقة هم في الوقت نفسه مزاحمي الفاطميين على بلاد الشام وغيرها ، فان وطنية المستنصر وحميته الإسلامية رفضت هذا الحلف مع القسطنطينية على السلاجقة ، مع شدة اضطرار المستنصر للقمح الذي كان موعودا به من القسطنطينية ، فلجا إلى إعلان الحرب على البيزنطيين والاشتباك معهم برا وبحرا . فاغتنم السلاجقة ذلك للتقرب إلى البيزنطيين والتحالف معهم على الفاطميين فأرسل ملكهم طغرل بك رسوله إلى القسطنطينية وأحكم امره معهم .